بقلم أ.د./ ناصر أحمد سنه
كاتب وأكاديمي من مصر.
علي مدار التاريخ.. شكلت "حركة" رأس المال، وتوزيع فوائض الدخل، والجهد البشري، وأدوات الإنتاج، وصولا لـ "تنمية إقتصادية حقيقية"، و"عدالة إجتماعية" أموراً "شيبت" المعنيين من إقتصاديين وإستراتيجيين وغيرهم. أمورٌ نُـظّـر لها نظريات، وقامت عليها دول وتكتلات، وسببت تقلبات وحروباً وصراعات، فكيف وضع لها القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وعمل السلف الصالح حلولاً، وعالج جوانبها في كلمات معدودات، وكثير من التطبيقيات؟.
المتأمل في الواقع المعيش، والنتائج التي آلت إليها "الخطط الاقتصادية المستوردة" لتنمية العالم الإسلامي، تدل دلالات قاطعة علي أن تلك "الخطط" لم يُعد صياغتها وفق معادلة الإنسان/المجتمع المسلم الإيمانية والنفسية، والاجتماعية، والإقتصادية. مما حال دون التفاعل معها، والإستجابته لها. فهي لم تحقق الانسجام بين "الروح الذاتية" للأمة، وخصوصياتها العقدية والثقافية والإجتماعية، وبين ذلك "الهيكل المستورد"، هذا فضلا عن فساد التطبيق ذاته (1).
فتخلف ومعاناة اقتصادية تعيشها معظم مجتمعاتنا الإسلامية، ومبالغة و"إستمراء" في الاعتماد على التمويل/ الاقتراض الخارجي وصولا للوقوع في "شَرك" الديون، التي تمتص "خدمتها/ فوائدها" جل ما تحقق من مكتسبات. ثم العجز عن سدادها، فباتت التنمية مطلوبة، لا لرفع مستوى المعيشة وإنما للتمكن من "خدمة" تلك الديون. وهناك سياسات الخصخصة، وأنماط "الإحتكار، والإستغلال"، وشيوع "الغش والتدليس والفساد والإفساد"، و"تزاوج" الثروة بالسلطة، وظهور فوارق متعاظمة (مُهددة للنسيج الإجتماعي) في مستويات الدخول، وإضمحلال وإختفاء "الطبقة الوسطي"، وتنامي القطاعات الفقيرة "المُهمشة" التي تحتاج لمستوى الكفاف وليس الكفاية. كفاية و"تنمية حقيقية" لن تتحقق ذلك إلا وفق خصوصياتنا وقيمنا في "التكافل الاجتماعي" التي يحض عليها الإسلام..قرآنا وسنة. فكيف يتأتي ذلك من خلال مبدأ "إنفاق العفو" ذلك المبدأ الإسلامي الأصيل، بل المبهر والعجيب في آن معاً؟.
يقول الله تعالي:"..وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ"(البقرة:219). ويقول جل شأنه: "خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ"(الأعراف:199). "العفو" كلمة قرآنية، وردت في كتاب الله تعالى في الموضعين السابقين. وهي (لغةً): مازاد علي الحاجة من المال ونحوه، أما (العافية): فهي الصحة التامة(2).
ولقد أفاض المفسرون – رحمهم الله تعالي– في مفهوم "العفو" الوارد في هاتين الآيتين؛ فقال "الفخر الرازي" في تفسير الأولى: "وَيَسْئَلُوْنَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ، قُلِ الْعَفْوَ"، قال: اعلم أن هذا السؤال قد تقدم ذكره فأجيب عنه بذكر المصرف (يقصد قول الله تعالي: "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ"(البقرة:215). وأعيد هنا فأجيب عنه بذكر الكمية. وكأن الناس لما رأوا الله ورسوله يحضّان على الإنفاق، ويدلان على عظيم ثوابه، سألوا عن مقدار ما كلّفوا به، هل هو كل المال أو بعضه؟ فأعلمهم الله أن "العفو" مقبول. ويضيف "الفخر الرازي":قال الواحدي رحمه الله: أصل العفو الزيادة، قال تعالى:"خُذِ الْعَفْوَ" (الأعراف:199) أي الزيادة، وقال أيضًا: "حَتَّىٰ عَفَواْ" (الأعراف:95) أي زادوا على ما كانوا عليه في العدد، قال القفال: "العفو" ما سهل، وتيسر، مما يكون فاضلاً عن الكفاية. وإذا كان "العفو" هو التيسير؛ فالغالب إنما يكون فيما يفضل عن حاجات الإنسان في نفسه وعياله، ومن تلزمه مؤنتهم (3).
ولقد بين الله تعالي في آية سورة الأعراف: ما هو المنهج القويم في معاملة الناس؛ فقال: "خذ العفو وأْمر بالعرف". قال أهل اللغة: العفو، الفضل وما أتى من غير كلفة. فالحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم، إما أن يجوز إدخال المساهلة والمسامحة فيها، وإما أن لايجوز. فالقسم الأول فهو المراد بقوله: "خذ العفو"، ويدخل فيه ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية، ويدخل فيه أيضًا التخلق مع الناس بالخلق الطيّب، وترك الغلظة والفظاظة. أما الثاني: وهو الذي لايجوز دخول المساهلة والمسامحة فيه؛ فالحكم فيه أن يأمر بالعرف. وللمفسرين طريق آخر في تفسير هذه الآية فقالوا: "خذ العفو"، أي: ما عفا لك من أموالهم، أي ما أتوك به عفوًا فخذه، ولا تسأل عما وراء ذلك.. ثم قال: اعلم أن تخصيص قوله: "خذ العفو" بما ذكر، تقييد للمطلق من غير دليل"(4).
إذن "العفو" مقدار وكم من الإِمكانيَّات، وبيان لما كلف الله عباده إنفاقه في سبيل الله، بعد أن تساءلوا: أكل المال يجب عليهم إنفاقه أم بعضه؟، وأن "العفو" الوارد في آية سورة البقرة هو الخاص بهذا التكليف، أما "العفو" الوارد في آية سورة الأعراف فيشمل المال، وغير المال كالأخلاق.
وقال "القرطبي": العفو ما سهل، وتيسر، وفضل، ولم يشق على القلب إخراجه. فالمعنى أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم؛ فتكونوا عالةً. هذا أول ما قيل في تفسير الآية، وهو قول الحسن، وقتادة، وعطاء، والسدي، والقرظي محمد بن كعب، وابن أبي ليلى وغيرهم، قالوا: العفو: ما فضل عن العيال، ونحوه، عن ابن عباس(5).
وقال "الشوكاني": العفو ما سهل، وتيسر، ولم يشق على القلب، والمعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تجهدوا فيه أنفسكم (6). وقال "الطاهر بن عاشور": "العفو مصدر عفا يعفو، إذا زاد ونما، وهو هنا ما زاد على حاجة المرء من المال، وما فضل بعد نفقته، ونفقة عياله بمعتاد أمثاله(7).
وجاء في تفسير "المنار": ما ورد يدل على أن المراد: أي جزء من أموالهم ينفقون، وأي جزء منها يمسكون؛ ليكونوا ممتثلين لقوله تعالى: "وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ الله" (البقرة:195)، ومتحققين بقوله تعالى: "وَمِمَّا رَزَقْنَـٰـهُمْ يُنفِقُونَ" (البقرة:3)، وما في معنى ذلك من الآيات التي تنطق بأن الإِنفاق في سبيل الله من علامات الإيمان وشعبه اللازمة له، والتي تـُشعر أن على المؤمن أن ينفق كل ما يملك في سبيل الله، وقد اقتضت الحكمة بهذا الإِطلاق في أول الإسلام. وبعد استقرار الإِسلام، توجهت النفوس إلى تقييد تلك الإِطلاقات في الإِنفاق فسألوا: ماذا ينفقون؟ فأجيبوا بأن ينفقوا "العفو"، وهو الفضل والزيادة عن الحاجة. وعليه الأكثر، وقال بعضهم؛ إن العفو نقيض الجهد، أي: ينفقوا ما سهل عليهم، وتيسر لهم، مما يكون فاضلاً عن حاجتهم وحاجة من يعولون(8). وقال ابن عطية: العفو هو ما ينفقه المرء دون أن يجهد نفسه وماله، وهو مأخوذ من عفا الشيء إذا كثر؛ فالمعنى أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم؛ فتكونوا عالة(9). وقال صاحب الظلال، رحمه الله: العفو الفضل والزيادة؛ فكل ما زاد على النفقة الشخصية – في غير سرف ولا مخيلة – فهو محل للإنفاق(10)
ويقول "عمر عبيد حسنه": (أسس الإسلام أمر العملية التنموية، والتكافل الاجتماعي وفق عدة مبادئ منها: العفو: وهو المسامحة، والتجاوز النفسي والمادي، مع الآخر، مع القدرة على تحصيل الحق منه، قال تعالى: "وأن تعفوا أقرب للتقوى" [البقرة:237]، والعدل: وهو أن تعطي الناس كامل حقوقهم، ولا تظلمهم، قال تعالى:" ولا يجْرمَنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" [المائدة:8]، والإحسان: وهو عدم الاقتصار على إعطاء الناس حقوقهم، بل الإحسان إليهم في التعامل، والتنازل لهم عن بعض حقك، وهو مرحلة فوق العدل، قال تعالى: "وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين" [البقرة:195]، والتَّقوى، وخلاصتها: أن لا يفتقدك الله حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك. وهذا الالتزام يحقق الوقاية من السقوط في المعاصي الفكرية، والأثرة النفسية والمالية. والتقوى هي خير الزاد، وجماع الأمر كله، والعلامة المميزة للمجتمع الإسلامي المتكافل..مجتمع المتقين(11)، قال تعالى:"وتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى. واتّقون يا أولي الألباب" [البقرة:197]، وقال جل شأنه: "قُل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث. فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تُفلحون" [المائدة:100]).
فتلك الأقوال ـ قديمها وحديثها ـ تتفق في الجملة على أن المقصود من "العفو" الوارد في قوله تعالى: "يسألونك ماذا ينفقون قل: العفو"، هو الزيادة عن الحاجات، وأنه كله محل للإِنفاق.
"العفو" و"الفضل"
وفي السنة المطهرة، نجد لفظة "الفضل"، قد جاءت شارحة لكلمة "العفو" الواردة في القرآن الكريم، وذلك في الكثير من الأحاديث الصحيحة، والتي منها قول النبي صلي الله عليه وسلم: "يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خيرٌ لك، وإن تُمسكه شرٌ لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى"(12). ومنها ما رواه أبو سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – قال: بينما نحن في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالاً؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان معه فضل ظهر؛ فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد؛ فليعد به على من لا زاد له". فذكر من أصناف المال ما ذكر؛ حتى رأينا أنه لاحق لأحد منا في فضل (13).
فالفضل الوارد في الأحاديث السابقة، هو "العفو" الوارد في القرآن الكريم، وهو محل للإِنفاق، حتى ليقول الصحابي الجليل: "رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل". فالعفو هو مازاد عن الحاجة، وكذلك الفضل.
هل يتمايز مفهوم "العفو/الفضل" عن "الفائض الاقتصادي" في الفكر الإنمائي المعاصر؟
الفائض الاقتصادي – كما يعرفه الفكر الإِنمائي المعاصر– ويمكن تقسيمه إلى فائض محتمل، أو مخطط، أو فعلي، يعني: ما يتبقى من الدخل، بعد سدّ الحاجات. وهو بهذا المعنى يتفق إجمالا من حيث تكوينه المادي، مع "العفو" من المال. لكن تبقى فكرة "العفو" ذات "شمولية" أكبر، لأنها تشمل إلى جوار "الفائض من الدخل"، "الفائض من الجهد البشري" أيضاً ولعل هذا الأخير ـ لدى معظم مجتمعاتنا الإسلاميةـ أكثر أهميةً من الأول. وفي شمولية مفهوم "العفو" عن مفهوم "الفائض الاقتصادي"، يجعل "إدارة العفو" وتوجيهه، تختلف عن إدارة وتوجيه الفائض الاقتصادي، ومن ثم فإن النظريات الاقتصادية عن توجيه الفائض الاقتصادي، ذات فائدة محدودة عند وضع السياسات الخاصة باستخدام "العفو" في تمويل التنمية وتحقيق التقدم (14).
"العفو/ الفضل"، غير مقصور علي مازاد من المال
إن مفهوم "العفو/الفضل"، غير مقصور علي مازاد من المال؛ فالآية لم تقيد "العفو" بالفائض من المال، وإن كان المفَسِّرون قد وقفوا "بالعفو" عند الفائض منه. وقد أمرت السنة المطهرة بإنفاق "العفو" من الجهد والإمكانيات البشرية، إذ أن علة تقرير إنفاق "العفو" من المال هي وجوده فائضًا عن حاجة الشخص؛ فإذا وجد فائض من الجهد البشري لدى شخص؛ فإن حكم الفائض من المال ينسحب عليه؛ فالسنة المطهرة قد أغنت عن القياس طريقًا لإثبات التكليف بإنفاق "العفو" من الجهد البشري.
فالتكليف بإنفاق "العفو/الفضل" وارد على كل من المال والجهد البشري؛ بل لعل دور "العفو" من الجهد البشري في بناء المجتمع، تمويل تنميته، أكبر من دور "العفو" في المال، وبخاصة في المجتمعات التي تمتلك قدرًا كبيرًا من العمل، وقليلاً من المال (لعل أكثر مناطق العالم الإسلامي اليوم هي من هذا الصنف). فتمويل التنمية في مثل هذه البلاد، يمكن تحقيقه بصورة أيسر إذا هي ركزت على "العفو" من الجهد البشري – الذي يملكه معظم الناس في المجتمع – ثم عضدته بـ "العفو" من المال.
لقد ظن بعض الصحابة أن "العفو" هو العفو المالي، فغبطوا الأغنياء، ورأوا أن إمكانياتهم المالية، تمكنهم من السبق إلى الخير، والتقدم على الفقراء، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور. لكنه صلى الله عليه وسلم ، صحح لهم هذا الفهم، وبين لهم المدى الواسع لـ "العفو"، وأنه موجود لدى كل إنسان بقدر ما، وأن كل مسلم، يستطيع أن يفعل الخير، وينافس أصحاب المال في السبق، باستخدام ما لديه من إمكانيات، تجعله محل رضوان الله تعالى، فالخير ليست وسيلته المال فقط، بل كل نفع للناس، أيا كانت أداته، فهو من عمل الخير، وقال لهم: "أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة "(15). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع في الشمس: تعدل بين الإثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة "(16).
العفو من الجهد البشري
- المسلم مكلف بأن يبذل من فائض جهده، ومنافع بدنه، في إعانة إخوانه، وإصلاح مجتمعه، كما يجب عليه أن يبذل في هذا السبيل جانباً من فائض ماله سواء بسواء. فالأعمال الخاصة التي يمارسها الناس في حياتهم لا تستغرق - في الغالب – كل أوقاتهم، ولا تستنفد كل طاقاتهم، وإنما يبقى بعد أدائها كثير من الوقت والطاقة. والمسلم مسؤول "إنفاق/ استثمار" وقته وطاقته تلك، وفقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه "(17).
- إن الطاقات الفائضة من جهد الإنسان، مطلوب استخدامها، وغير مباح تعطيلها أو تبديدها، ولا يعفي مالكها من مسؤوليته، قيامه بعمله الخاص على أكمل وجه. بل هو مكلف بالبحث عن ميدان نافع ينفق فيه "العفو/ الفضل" من جهده ووقته. وهذا قد يتمثل في إعانة مادية للناس: "تعين صانعاً أو تصنع لأخرق"(18)، "تعين الرجل في دابته "(19). وقد يكون في تيسير الحياة العامة للناس: "تميط الأذى عن الطريق صدقة "(20)، "عَزل حجراً عن طريق الناس، أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس"(21). وقد يتمثل في السعي مع إخوانه في قضاء حوائجهم، أو انخراطاً مع فئات ترعى شؤون فئات خاصة من الناس(فئات لمحو الأمية، أو استصلاح الأراضي الزراعية، أو تنمية الثروة الحيوانية الخ): "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته "(22)، "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (23)، "من خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا" (24)، "من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة"(25). وقد يكون هذا الميدان دفاعاً عن حقوق الإنسان، بالسعي في رفع الظلم والدفاع عن المظلومين: "أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر "(26). كما قد يكون تذكيراً بالله تعالى، ودعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، تبصيراً للناس، وإرشاداً لهم إلى ما يصلح آخرتهم ودنياهم، وقد يكون سعيًا لإثراء حياة الناس بقيم الحب والود والأخوة، وإصلاح ذات البين، وإطفاء ما يثور من نزاع بين الأفراد والجماعات: "تعدل بين الإثنين صدقة "(27)، أي تصلح بينهما بالعدل.
- قد يكون ميدان إنفاق العفو من الجهد البشري، عملاً اقتصادياً، يعود عليه بنفع مادي، كما يعود على المجتمع بسد حاجة من حاجاته، وفي الوقت نفسه، يعود على الشخص بالثواب الأخروي. ذلك أن الإسلام، يجعل كل عمل مباح، يمارس بنية صالحة، عبادة لها ثوابها في الآخرة، فوق مكاسبها المادية في الدنيا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أُكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزأه أحد إلا كان له صدقة "(28)، ويقول: "فلا يغرس المسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة "(29)، يقول: "لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء، إلا كانت له صدقة "(30). فإنتاج الطيّبات في المجتمع الإسلامي هدف، وكل طرق استخدامها بعد إنتاجها، تعود على منتجها بثواب، حتى ما يأكله منها هو. وليس فوق ذلك حث على بذل الجهد في ممارسة الإنتاج، وتوجيه "العفو" من الجهد البشري إلى إثراء الحياة، وعافيتها.
- بقدر ما توجد وسائل وأساليب لنفع النفس والمجتمع.. توجد ميادين وسبل إنفاق "العفو" من الجهد البشري، بلا حصر. والمجتمع بحاجة لكل صاحب مقدرة/ طاقة عضلية أو فكرية أو روحية الخ، وإلى مداومة تشغيلها، وصيانتها وعدم تبديدها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما رؤى فارغاً في أهله قط، إما يخصف نعله، أو يخيط ثوبه، أو ثوباً لمسكين". وسئلت السيدة عائشة - رضي الله عنها - ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: "كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة" (31). أما حياته صلي الله عليه وسلم بين الناس، فقد كانت كلها تربية، وتعليماً، وجهاداً، وتشريعاً، وعبادةً لله تعالى في جميع الحالات. قد علّم المسلم أن لا ينسى - وهو في غمرة العطاء الدائم - لبدنه حقه في الراحة التي تجدد نشاطه، ولا ينسى لأهله حقهم في الرعاية والعناية، ولا ينسى لزوره حقهم في الاهتمام بهم، فقد قال سلمان - رضي الله عنه - لأبي الدرداء - رضي الله عنه - وقد رآه قد شغل كل وقته بالطاعات: "إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر لك له، فقال: "صدق سلمان "(32). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم أخبر أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟ قلت بلى يا رسول الله. قال: فلا تفعل، صم وأفطر، ونم وقم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقاًّ، وإن لزوجك عليك حقًّا (33)".
- ولما كان المسلم مطالبًا بإتقان العقل، فإن الإتقان هنا يتمثل في اللجوء إلى المنظمات التي تستطيع أن تجمع هذه الطاقات بما يجعلها أكثر إنتاجية، ومن ثم فإن توجيه الطاقات البشرية الفائضة "العفو"، يحتاج إلى إقامة تنظيمات شعبية تتولى القيام بعمل من الأعمال التي تمثل فروض الكفاية في المجتمع الإسلامي، وينضوي تحت لوائها كل من يريد ـ طبقاً لإمكانياته وخبراته ـ أن يعبد الله تعالى بالعمل الذي تتخصصت فيه هذه المنظمة، ونوع "العفو/الفضل" من الجهد الإنساني. فمثلاً: منظمة إعانة الصناع وتدريبهم، ورفع مستواهم الفني، و"إعادة تأهليهم": "تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق"(34)، ومنظمة للعناية بالطرق وتنظيمها ونظافتها، وحماية البيئة، "تميط الأذى عن الطريق صدقة "(35)، ومنظمة لحماية القيم: "أمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة "(36)، ومنظمة لرعاية أسر المجاهدين:"من خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا"(37)، ومنظمة لرعاية اللاجئين والمشردين وإغاثتهم: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته "(38)، "والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه "(39)، ومنظمة لرعاية الطفولة وكفالة الأيتام: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما "(40)، ومنظمة لرعاية المرضى والمسنين والمعاقين: "ابغوني في ضعفائكم، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم "(41)، ومنظمات للبحث العلمي، وتطبيقاته المختلفة: "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار "(42)، ويقول: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة "(43)، ويقول:"من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله "(44)، ومنظمات للدفاع عن حقوق الإنسان، وصيانة كرامته، وضمان تمتعه بالحقوق والحريات التي قررتها الشريعة لكل مسلم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرًا، ولتقصرنّه على الحق قصراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض "(45)، وعن أبي بكر الصديق رضوان الله تعالى عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه "(46)، ومنظمات للإصلاح بين الناس، "إنَّما المؤمنون إخوةٌ فأصلحوا بين أخويكم )) [الحجرات:10]، ومنظمات للدعوة إلى الله تعالى: "قُل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني" [يوسف:108]، ومنظمة للرفق بالحيوان والإحسان إليه "قالوا يا رسول الله: إن لنا في البهائم أجراً، فقال: في كل كبد رطبة أجر"(47).. إلى غير ذلك من المنظمات والهيئات التي يقيمها أفراد الأمة كي يتقنوا من خلالها أداء فروض الكفاية، والتي إن لم تؤد، أَثِم كل قادر على القيام بها، وكل قادر على الدعوة إليها، والإسهام فيها، ما لم يبذل جهده في هذا السبيل.
- جاء في تفسير "المنار" تعليقاً على تفسير قول الله تعالى:"ويسألونك ماذا يُنفِقون؟ قل : العَفْو؟" [البقرة:219] "قال علماؤنا: إن جميع الفنون والصناعات، التي يحتاج إليها الناس في معايشهم، من الفروض الدينية. وإذا أهملت الأمة شيئاً منها، فلم يقم به من أفرادها من يكفيها أمر الحاجة إليه، كانت عاصية لله تعالى، مخالفة لدينه، إلا من كان عاجزاً عن دفع ضرر الحاجة، وعن الأمر به للقادر عليه، فأولئك هم المعذورون بالتقصير. وعلى هذا قام صرح مجد الإسلام عدة قرون، كان المسلمون كلما عرض لهم شيء، بسبب التوسع في العمران، يتوقف عليه حفظه، وتعميم دعوته النافعة، قاموا به حق القيام، وعدوا القيام من الدين، عملاً بمثل هذه الآية، وغيرها من الآيات، ومضوا على ذلك قروناً، كانوا فيها أبسط الأمم وأعلاها حضارة وعمراناً"(48).
إن صرح مجد الإسلام - بتعبير صاحب المنار - يمكن إقامته من جديد، من خلال انفعال النقابات بهذا التكليف، ووفائها به، حتى لا تبقى حاجة من الحاجات، أو صناعة من الصناعات، تحتاجها إقامة هذا الصرح، إلا وجد من أبناء الإسلام، من يتقدم للوفاء بها. وإن بعث هذه الروح في النقابات المهنية، لكفيل بجعلها الصورة الحديثة لأنظمة التعاون الإسلامية، للقيام بفروض الكفاية، كل في الميدان الذي يجيده، وبهذا تتحقق مصالح أعضاء النقابة، من خلال تحقق مصالح المجتمع. ومن أهم مصالح الأعضاء، خروجهم من التبعة الملقاة على عاتقهم، بوفائهم بما فرض الله عليهم، فيملكون الحجة، عندما يسألون عن عمرهم فيم أفنوه، وذلك إضافة إلى المصالح الآنية، التي تتحقق لهم كأعضاء في هذه النقابة من ناحية، وكأعضاء في مجتمع يبذل كل أعضائه، كل جهودهم، من أجل إقامة الحياة الطيبة، التي يحياها الجميع.
العفو من المال العيني
- يمتلك الناس نوعاً هامًّا من أنواع المال، يتمثل في أدوات الإنتاج الداخلة في العملية الإنتاجية، كما يتمثل في الأدوات التي يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، وهو بصدد إشباع حاجته، مثل السلع الاستهلاكية المعمرة، ودواب الركوب، ومنزل السكني إلخ.
- هذا النوع من المال يمثل جانباً كبيراً من حجم الأموال في المجتمع، وكثيراً ما يقتنى بحدٍ يربو على الحاجة الشخصية لمن يقتنيه. بل ربما يقتنى بعضه، ولا يستخدم إلا أياما محدودة، فهو لهذا يمثل مكمناً ضخما من مكامن "العفو" عند المسلمين. والإسلام..قرآنا وسنة يقيم وزنا كبيرا لهذا النوع من العفو، ويعمل على دفع المسلمين إلى تبين حجمه لديهم، وتقديمه إلى من هو في حاجة إليه. فتجدد منافعه، ولا تتبدد طاقته، بل قد يتولد عنه دخل ما لدي المنتفع الجديد به، ويعني ذلك زيادة الإنتاج من نفس أدوات الإنتاج، وزيادة المنافع من أدوات الاستعمال اليومي وبالتالي زيادة حجم الإنتاج القومي من نفس الإمكانيات المملوكة للمجتمع.
- لقد رغب الإسلام في بذل "العفو" من أدوات الإنتاج والاستهلاك، حتي جعل منع هذا "العفو" علامة وصفة من صفات المكذبين بالدين، فقال سبحانه وتعالى: "أرأيت الذي يُكذّب بالدِّين، فذلك الذي يدعُّ اليتيم، ولا يحضُّ على طعام المِسكين فويلٌ للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يُراءون ويمنعون الماعون" [سورة الماعون]. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الماعون ما يتعاطاه الناس بينهم. وروي عنه أيضاً: أنه القدر، والفأس، والدلو، ونحوها، وهما قريبان، وجاء في تفسير الجلالين: الماعون كالإبرة، والفأس، والقدر والقصعة(49). ويقول ابن العربي: إن الماعون من أعان يعين، والعون: الإمداد بالقوة، والآلة، والأسباب الميسرة للأمر. ولما كان الماعون من العون، كان كل ما ذكره العلماء في تفسيره عوناً (50). وجاء في المعجم الوسيط: "الماعون اسم جامع لمنافع البيت كالقدر والفأس والقصعة، ونحو ذلك مما جرت العادة بإعارته"(51).
- وقد حفلت السنة المطهرة بالحث على الكثير من تطبيقات هذا التكليف، ومن ذلك: حث النبي صلى الله عليه وسلم الجار على عدم منع جاره إن أراد أن يعتمد على جداره بخشبة، فقال: "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره(52). كما حث عليه الصلاة والسلام المسلم أن يعير أخاه حيواناً ذا لبن، ينتفع بلبنه سنة، ثم يرده فقال: "أربعون خصلة، أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها، رجاء ثوابها، وتصديق موعودها، إلا أدخله الله بها الجنة(53)". كما قرر صلوات الله وسلامه عليه، أن أفضل الصدقات يتمثل في تقديم منافع الأدوات، وعوامل الإنتاج فقال: "أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله، ومنيحة خادم في سبيل الله، أو طروقة فحل في سبيل الله"(54). فهذه الإرشادات، والأوامر، والتقريرات تتناول تقديم أدوات إنتاج، أو أدوات استعمال معيشي، كمصدر/ خدمة إنتاجية يحصل منه متلقيه على ما يسد حاجته، ومصدراً للنماء، ومنفعة وتوفيراً للسكنى الخ. وعندما يجعلها النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقات، فإنما ذلك لأثرها الإنتاجي، وعائدها المباشر على الدخل الفردي، والقومي، وجعلها أفضل الصدقات، يمثل دعوة قوية من الشريعة الإسلامية، لجعل هذا السلوك متأصلاً في النفس المسلمة، تبغي به الجنة، كما يترتب علىه أن يكون له كبير الأثر على تمويل التنمية.
- إن "العفو" من أدوات الإنتاج، والاستعمال، قد يتمثل اليوم في أداة قديمة استبدل بها مالكها أداة جديدة، لكنها لما تزل على قدر من الصلاحية، فهي لديه "عفو" بجوار الأداة الجديدة. فيمكن تنظيم صالات عرض ـ عن طريق المؤسسات الخيرية وغيرهاـ بذلك النوع من "العفو"، وتقديمه إلى من يسد له حاجة. هذا التنظيم يمكن أن يمارس في السلع المعمرة - إنتاجية واستهلاكية - مثل السيارات والثلاجات، والغسالات، والثياب، وبخاصة ثياب المناسبات، وآلات الطباعة والنسخ، وأثاث المنازل والمكاتب، وأجهزة التلفاز، وكتب العلم، وأدوات الحرف المختلفة، إلى غير ذلك مما لا يقع تحت الحصر. والعفو في هذه الأشياء، يتمثل في عينها بالقياس إلى ما يملكه صاحبها من أدوات أفضل منها، وهو يقوم بتمليك هذه الأدوات لمن سيحصل عليها(55).
- كذلك قد يتمثل "العفو" اليوم في غرفة بالمنزل تفيض عن حاجة الأسرة فترة من الزمن، ويمكن تقديمها لمن تسد لديه حاجة من طلبة العلم، ويمكن إنشاء مكاتب ملحقة بالمؤسسات التعليمية، تتلقى رغبات أصحاب هذا النوع من "العفو"، مقرونة بمواصفات من يمكن استضافته لدى الأسرة بما يحقق مصلحة الطرفين، ويتفق وأحكام الشريعة بهذا الخصوص، وتقوم هذه المكاتب بترشيح من ترى للحصول على هذا "العفو" كي يلتقي بصاحب المنزل، ليرى رأيه. وبهذا يمكن الاستفادة من جانب كبير من "العفو"، الموجود في دور السكنى، وبه تسد حاجة الكثيرين من طلاب العلم وطالباته، الذين لا يملكون قدرة على توفير المسكن من خلال السوق، وأثر ذلك في التغلب على مشكلة الإسكان في البلاد التي تعاني منها، أثر بارز، و"العفو" هنا يقدم في شكله التقليدي، أي تمليك المنفعة مع بقاء العين مملوكة لصاحبها (56).
- كذلك قد يتمثل "العفو" اليوم في مكان فائض، بسيارة الشخص، يمكن تقديمه لمن هو في حاجة إليه، من زملاء العمل، أو سكان الحي، ويمكن للنقابة التي تجمعهم أن تنظم ذلك في الحالة الأولى، كما يمكن لإدارة مسجد الحي، أن تنظم ذلك في الحالة الثانية. وبهذا يمكن سد جانب كبير من الطلب على وسائل الانتقال. وتنظيم ذلك عن طريق النقابة أو المسجد، أمر يسير. كما قد يتمثل في قطعة أرض لا يحتاج إليها مالكها، ولا يجد من يزارعه عليها، أو يؤجرها له، فهي في هذه الحالة فضل، عليه أن يقدمها لمن يحتاج إليها، ليقوم بزراعتها، ويبذل جهده عليها، مبتغياً من فضل الله تعالى. وحث النبي صلى الله عليه وسلم على تقديم هذا النوع من أدوات الإنتاج. كما أمر عمر بن عبد العزيز عماله، بأن يقدموا الأرض التي لا تجد من يزرعها بمقابل، إلى من يستفيد منها بدون مقابل، يقول: انظر ما قبلكم من أرض الصافية فأعطوها بالمزارعة بالنصف، فإن لم تزرع فأعطوها بالثلث، فإن لم تزرع فأعطوها حتى تبلغ العشر، فإن لم يزرعها أحد (أي بمقابل) فامنحها(57). ويمكن تنظيم هذا العمل على مستوى القرية، فتوجد جهة تتولى تنظيم منح الأرض لعام أو لأكثر، لمن يحتاج إليها، وخاصة من الملاك الذين لا يعملون بالزراعة، وتمثل ممتلكاتهم من الأرض الزراعية فضلاً لديهم(58).
- إن بدائل الفأس من المحراث التقليدي والآلي، وآلات البذر والحصاد، وغير ذلك من أدوات الزراعة، تمثل ميداناً رجباً لتبادل "العفو" ، ويمكن متلقيه من ممارسة الإنتاج على مستوى التقنية العصرية، الأمر الذي يرفع متوسط الإنتاجية الزراعية في المجتمع، ومن ثم يرفع مستوى الإنتاج القومي.
- لا تزال "الإبرة" كمثال تقليدي على "العفو" ، تجد تطبيقاً لها في آلات الحياكة والخياطة، ولا تزال القصعة والقدر، تجد تطبيقا لها في أدوات المطبخ التي تعددت أنواعها، وتنوعت أغراضها، لا تزال هذه وتلك ميادين رحبة لتبادل "العفو" ، بين ربات البيوت؛ وأثر هذه الأدوات على تيسير عمل المرأة في بيتها، لا ينكر.
- تقديم "العفو" من أدوات الإنتاج في الميدان الصناعي، من المصانع التي تملك تقنية متقدمة، إلى الورش الصغيرة، التي لا تملك هذه التقنية، ولا تقوى على امتلاكها، إنه أيضا يرفع متوسط الإنتاجية في القطاع الصناعي، وينعكس على مستوى وحجم الإنتاج القومي.
- إن إقامة النقابات والتنظيمات، لا يعني إهمال الطرق المباشرة لتقديم "العفو" ، فلا يزال لتبادل "العفو" بالطريق المباشر بين مالكه ومن يحتاج إليه، مجالاته الكثيرة، والتي تمثل ميداناً واسعاً من ميادين تقديم "العفو" في الأدوات، وتطبيقاتها في حياتنا، دور ملحوظ.
تنظيم الشرع للجانب القانوني لـ "العفو" من المال العيني
- إنّ تنظيم تقديم "العفو"، إلى من يحتاجه، ليس جديدا على الفكر الإسلامي، فقد قام الفقهاء - رحمهم الله تعالى - بتنظيم الجانب القانوني لهذا النوع من التعاون على البر والتقوى، وعقدوا له كتاباً أو باباً في كل مؤلف فقهي شامل، هو "كتاب العارية"، أو "باب العارية"، ويشتمل هذا الكتاب على تقنين هذا النوع من التعاون، حيث يناقش فيه أركان عملية تقديم "العفو" من الأدوات (أركان العارية)، من معير، ومستعير، ومعار، وصيغة العقد. وفي حديثهم عن المعار/ مكمن "العفو"، أي محل العارية، ناقش الفقهاء إعارة كل أنواع أدوات الإنتاج، وأدوات الاستخدام المنزلي، بمعناها الواسع، من أرض للزراعة أو البناء، ومن دواب للحمل أو العمل، ومن سفن للنقل أو الصيد، ومن دور لسكنى وأدوات للزينة، ومن أدوات للزراعة والصناعة، وثياب وكلاب صيد. وأدوات طبخ، وتحميل خشبة فوق جدار، وطروقة الفحل، وغير ذلك مما لا يقع تحت حصر، وضابطه لديهم هو: "كل ما ينتفع به مع بقاء عينه"، قال صاحب الكافي: "وتصح (أي العارية) في كل عين ينتفع بها، مع بقاء عينها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعار من أبي طلحة فرسا فركبها، واستعار من صفوان بن أمية أدراعاً، وسئل عن حق الإبل فقال: إعادة دلوها وأطراق فحلها، فثبت إعارة ذلك بالخبر، وقسنا عليه سائر ما ينتفع به مع بقاء عينه".
- وقد نظم الفقهاء كل ما يتعلق بالعارية من ضمان عينها، وبيان ما يضمن، وما لا يضمن، من النقص الذي يترتب على استخدامها، وإطلاقها، وتأقيتها، وأثر ذلك على نوعية استعمالها، وحددوا من يتحمل مؤنتها إن كانت لها مؤنة، إلى غير ذلك من أحكام العارية المبسوطة في كتب الفقه.
- إن التشريعات التي تنظم استخدام العارية، والمستخلصة من كتب الفقه الإسلامي، تحدد بوضوح حقوق وواجبات كل من المستعير، والمعير، قبل الشيء المستعار، بما يجعل العلاقة واضحة لا ترتب خلافاً أو نزاعاً. والشق الثاني، من تنظيم استخدام "العفو" : فيتمثل في اكتشاف الوسائل المنظمة التي تيسر على كل من صاحب "العفو"، ومن هو في حاجة إليه، تحقيق غرضه الذي يقصده.
العفو مِنَ المال النقدي
- النقود تختلف عن غيرها من الأموال في أنها لا تشبع الحاجات بذاتها، وإنما تمثل الوسيلة إلى إشباع الحاجات بالحصول على الطيّبات. فالمرء يستخدم النقود في الحصول على المعدات والآلات والأدوات، كما يستخدمها في بناء إمكانياته البدنية وصقلها، وتنميتها، والمحافظة عليها - وقد تحدثنا عن "العفو" في هذه الإمكانيات والطاقات - وهو قبل ذلك يستخدم النقود في الحصول على ما يشبع حاجات من يعول، وتجب عليه نفقتهم. فهل بعد استخدام النقود في هذه الاستخدامات، يوجد "العفو" فيها؟ أم أنه - باعتبارها وسيلة إلى الحصول على غيرها من الثروات - يظهر العفو منها في الثروات الأخرى، التي يحصل عليها الإنسان بواسطتها؟
- الإنسان قد يشتري بنقوده ما يحتاج إليه لسد حاجاته الاستهلاكية والإنتاجية ، ثم يبقى لديه قدر منها، يصلح لشراء مختلف الإمكانيات التي تسد حاجات الناس، ويكون في غير حاجة إليه في ظروفه الآنية. . فهل من حقه أن يحتفظ بهذا القدر في شكله النقدي؟ أم يجب عليه أن ينفقه في سبيل الله تعالى؟ إن إجابة هذا السؤال، تحدد لنا إن كان في المال النقدي "عفو" أم لا؟ فإذا كان من حقه أن يحتفظ به في شكله النقدي دون استخدام، لم يكن في المال النقدي "عفو". أما إن كان لا يملك الاحتفاظ به في هذا الشكل، فيكون به "عفو".
-موقف القرآن الكريم من النقد الفائض عن شراء الحاجات الإنتاجية والاستهلاكية، يقول الله تعالى: "والذين يكنزون الذَّهب والفضّة ولا يُنفقونها في سبيل الله، فبشِّرهم بعذاب أليم، يوم يُحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون" [التوبة:34،35]. لقد عرض لنا ابن العربي - رحمه الله تعالى - الأراء التي يوردها المفسرون في المعنّي بالكنز، وقد بلغت سبعة آراء، فهل هو المال المجموع مطلقاً؟ أم أنه المجموع من النقدين؟ أم هو المجموع منهما ما لم يكن حليا؟ أو هو المجموع منهما دفيناً؟ أم أنه المجموع منهما لم تؤد زكاته؟ أم أنه المجموع منهما لم تؤد منه الحقوق؟ أم أنه المجموع منهما ما لم ينفق ويهلك في ذات الله(59).
-المقرر أن المال النقدي لا يسمح بحجبه عن الحقوق المقررة فيه، فإن حدث ذلك اعتبرت النقود كنزاً، وحتى لا يقع المسلم تحت الوعيد الوارد في الكنز، فعليه أن يقوم بكل الحقوق الواجبة في المال من زكاة واستثمارات، وشتى فروض الكفاية الواجبة على الكافة، بنظامها المعروف في الإسلام. فإذا بقي مال نقدي لدى المسلم فوق الوفاء بهذه الحقوق، كان مالاً مطهر، لا يلام على الاحتفاظ به، ويترقب استخدامه فيما ينبغي أن يستخدم فيه.
- يكون "العفو" موجوداً في الأموال النقدية، ويؤكد ذلك نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم لمن لديه مال يفيض عن كفايته من الإنفاق الاستهلاكي، والإنفاق الاستثماري، أن يبذله في وجوه النفع، مبيناً أن إمساك هذا الفائض شر، وإنفاقه خير، ولا شك أن المسلم مأمور بفعل الخير، منهي عن فعل الشر، لقد قال صلوات الله وسلامه عليه: " يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى(60)".
- أن إمساك النقود ورصدها لأداء واجبات أمر مطلوب، حتى وإن كانت الواجبات غير حالة، ما دامت متوقعة، فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على إنفاق المال أن يستثني ما يرصده المسلم لدين، قال صلى الله عليه وسلم : "ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً، تمضي عليه ثلاثة أيام، وعندي منه دينار، إلا شيء أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله وعن خلفه(61)"، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو كان لي مثل أحد ذهباً لسرني أن لا تمر عليّ ثلاث ليال وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين"(62).
ففي هذين الحديثين تقرير جواز إمساك النقود لأداء واجب، مثل له النبي صلى الله عليه وسلم بالدين، ويقاس على ذلك كل نقود ترصد لواجب ما، مثل الإنفاق الاستهلاكي، والإنفاق الاستثماري المطلوب للمحافظة على الطاقة الإنتاجية، وتجنيب أقساط دورية لجمع مال يستخدم في الوفاء بحاجة استهلاكية أو إنتاجية، فمثل هذه الأموال مشغولة بالحق الذي ترصد له، فإمساكها غير ممنوع بل مطلوب.
- المال النقدي يعتبر أحد أهم مكامن "العفو" ، فإن المسلم مدعو إلى استخدام هذا العفو، أو تمكين غيره ممن هو في حاجة إليه من الانتفاع به. وتختلف طريقة تقديمه من حالة لأخرى، فهناك حالات يكفي فيها تقديم "العفو" من المال النقدي في صورة قرض، يسترد عندما ييسر الله تعالى للمقترض أداءه، وهناك حالات يجب فيها تقديم المال في صورة هبة أو صدقة، وهناك حالات يقدم فيها المال النقدي إسهاماً في مشروعات عامة، تفي بفرض من فروض الكفاية المطلوبة من المسلمين، وهناك حالات يقدم المال النقدي فيها لبناء مشروع استثماري بشكل مستقل، أو بالاشتراك مع الآخرين بصورة من صور المشاركة، إلى غير ذلك من صور إنفاق "العفو".
- للدولة والبنوك الإسلامية والمؤسسات الإقتصادية والاجتماعية والخيرية والنقابات المهنية والإتحادات الطلابية والأحزاب الساسية ولجان حقوق الإنسان دور كبير وهام ومؤثر في توجيه "العفو" وتوظيفة أفضل توظيف(63).
إجمالاً لموضوعٍ متشعبٍ.. هذه خطوط عامة علها تفي بالغرض من غير إيجاز مُخل، ولا إسهاب مُمل
- عرفت المجتمعات الإسلامية بدايةً نظام «إنفاق العفو» ومارسته طيلة أربعة عشر قرناً، وكان هذا النظام ـ ولا يزال بدرجةٍ ما ـ قاعدةً لبناء مؤسسات المجتمع في مختلف مجالات التكافل الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والصحي والخدماتي. بل لعله كان أحد "الابتكارات المؤسسية الاجتماعية" التي جسدت الشعور الفردي بالمسؤولية الجماعية، ونقلته من مستوى الاهتمام "الخاص" إلى "العام" تجاه المجتمع والدولة معاً.
- في سياق الاهتمام المتزايد بمؤسسات المجتمع المدني وفعالياته، يضحى "إنفاق العفو" من خلال مؤسساته، وإسهاماته في بناء ودعم تلك المؤسسات، أمراً ضرورياً. فضلا أنه يمكن إحياؤه، وتفعيل دوره في بناء المجتمع المسلم وفي دعم استقلاله، ونهضته، ووحدته. إن لدى جميع بلدان أمتنا إرثاً معتبراً من أموال وممتلكات عقارية ومؤسسية، ولكنّ هذا الإرث غير مرئي، وهو موضوع في دائرة الظل في أغلب الأحوال، وغير مستَغَلٍّ بالكفاءة المطلوبة لمصلحة المجتمع.
- إن مكامن "العفو" كثيرة، وحيثما يوجد المسلم، يوجد نوع من العفو، يمكن بذله في تحقيق النفع والخير للمجتمع وأفراده. . فليس "العفو" موجوداً عند الأغنياء أصحاب المال فقط، ولكنه موجود عند كل إنسان، غنيا كان أو فقيراً، فالغني لديه فضل ماله، يفعل به الخير، والفقير لديه فضل جهده، وقلبه، ولسانه، يفعل بها الخير، ويقدم منها "العفو".
- من الأهمية بمكان أن يكتشف المسلم ما لديه من إمكانيات وطاقات، وأن يستقر في نفسه واجب البذل والعطاء منها، تكليفاً يتجدد طلوع الشمس كل يوم. فمكامن "العفو" كثيرة، ويمكن إجمالها في ثلاثة مجالات:العفو من الجهد البشري.العفو من المال العيني.العفو من المال النقدي. وهي باتساعها وشمولها تحرك كل الأفراد، وتستنفر كل الطاقات، لتصب كلها في مجرى فعل الخير، وتتكاتف الإمكانيات المالية مع الإمكانيات البشرية - عقلية وعضلية ونفسية وروحية - من أجل الإسهام في بناء المجتمع المتكافل، الذي يمثل كل فرد فيه لبنة قوية في بناء متين، ويقف في موقعه سنداً لعمليات البناء والتعمير، يحاول قدر طاقته أن يكون مصدر عطاء ونفع للآخرين، قبل أن يكون جهة استفادة منهم.
-إن عجز المسلم عن أي فعل إيجابي يثري به الحياة، فإن له في الكف عن الشر باباً يلج منه إلى نفع المجتمع، ونفع نفسه: "..قلت يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل، قال: تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك"(64). ومهما يبلغ به العجز، فلا ينبغي أن يعجز عن كف شره عن المجتمع والناس، والمسلم مدفوع إلى هذا السلوك من منطلق الحرص على المصلحة الشخصية، فهو مع مثاليته الواضحة، عملي ومصلحي أيضاً، فهو يبذل للمجتمع من إمكانياته المادية، والنفسية، والروحية، والعقلية، والعضلية، ليحقق منفعته في الدنيا والآخرة، منطلقاً في ذلك من عقيدته، التي تقوم على أن ما يقدمه من نفع للمجتمع والناس، إنما يعود نفعه إليه. يقرر الله سبحانه هذه الحقيقة فيقول: "وما تُنفقوا من خيرٍ فلأَنفسكم، وما تنفقون إلاّ ابتغاء وجه الله، وما تُنفقوا من خيرٍ يُوفّ إليكم" [البقرة:272] ويقول: "مّن ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة" [البقرة:245] ويقول:مَنْ عمِل صالحاً فلنفسه" [فصلت:46]، ويقول تعالي:"وَمَنْ عمل صالحاً فلأَنفسهم يمهدون" [الروم:44].
- الأهم من وجود العفو هو القدرة على استخدامه، والاستفادة منه في تمويل التنمية الاقتصادية وهكذا نعيش في تناقض، بين توفر الفائض، وعدم القدرة على استخدامه وتوجيهه لتمويل التنمية الاقتصادية، بل ربما استخدم جانب كبير من هذا الفائض في تمويل نمو المجتمعات المتقدمة، بينما تحرم منه المجتمعات التي أنتجته، وهي في أمس الحاجة إليه.
-إن توجيه العفو إلى الإسهام في تحقيق التنمية الاقتصادية تقع على عاتق الكثير من المؤسسات القائمة في المجتمع، ابتداء من مؤسسة الدولة نفسها، كأهم مؤسسة في المجتمع، وانتهاء بالجمعية الخيرية، التي يكونها بعض الأفراد لأداء واجب من الواجبات الكفائية، مروراً بالكثير من المؤسسات التي يضمها المجتمع، مثل البنوك والنقابات المهنية، والأحزاب السياسية، والاتحادات الطلابية، إلى غير ذلك من مؤسسات وتنظيمات، تختلف عن بعضها البعض في مدى أهمية دور كل منها في توجيه العفو، لكن يبقى لكل مؤسسة منها دور تؤديه، ولا يغني فيه غيرها عنها.
خلاصة القول
إن قضية التنمية لها فلسفاتها وجوانبها المختلفة، لكنها في حقيقتها "عملية معرفية ثقافية حضارية"، تشمل مختلف أوجه النشاط المجتمعي، بما يحقق رفاهية الإنسان والمجتمعات، ويحفظ كرامتهم. وفي معاودة نهوض امتنا، واستعادة فاعليتها، ينبغي أن تُفهم وتتم وفق منهاج القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. ووفق خصوصياتنا الإيمانية والشرعية والإجتماعية والإقتصادية الخ.
لقد أنزل الله تعالي القرآن للناس شرعة ومنهاجاً.. خطاب إلهي سليم، يحدد للناس مقاصد الدين، ويبصرهم برحلة حياتهم، وعِلة خلقهم، وسبيل قيامهم بأعباء الاستخلاف الإنساني، وكيفية تحقيقهم العبودية لله تعالي، أقتداءً برسول الله محمد صلي الله عليه وسلم، المبين عن ربه مراده ـ سبحانه تعالي ـ من الخلق، وسبل بنائهم المجتمع الإسلامي المتكافل.. المجتمع "المتعافي" الأنموذج المثير للاقتداء، المُغري بالاتباع.
فالأمة المسلمة، تمتلك قيم وطاقات روحية وعملية، وإمكانات مادية فاعلة، والتي يمكن -لو أحسن توظيفها - أن تحقق المنعة، وتـُستعاد الذات الحضارية المستلبة، وتتحقق فاعلية "الشهود"، والريادة الرسالية الحضارية، وهل عافية الدنيا الدنيا إلا تلك؟، ويبقي رجاؤنا في الله تعالي أن يتفضل علينا بسعادة الآخرة، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
يمكن التواصل مع الكاتب أ.د./ ناصر أحمد سنه على الإيميل التالي:
nasenna62@hotmail.com
هوامش ومصادر
[1]- انظر: عمر عبيد حسنه في تقديمه لكتاب د. يوسف إبراهيم يوسف: "إنفاق العفو في الإسلام بين النظرية والتطبيق، كتاب الأمة ، العدد:36، ذو القعدة 1413 هـ، مايو 1993م. مركز البحوث والمعلومات، بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر. وعلي الشبكة الدولية للمعلومات، Islamweb.net.[2]- انظر: المعجم الوجيز، طبعة وزارة التربية والتعليم المصرية، 1993م، ص 425. [3]- الفخر الرازي: التفسير الكبير "مفاتيح الغيب"، دار الفكر، بيروت، 1978م، ط 2، مجلد 2، ص:221 ـ222. [4]- الفخر الرازي: م.س.، مجلد4، ص:337-338. [5]- القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ط 2، 1952م، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني، مجلد 3، ص:61. [6]- الشوكاني: فتح القدير، دار المعرفة بيروت، د.ت.، مجلد 1، ص:222. [7]- الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، سنة 1984، ج2، ص 352. [8]- السيد محمد رشيد رضا، تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1973، بدون رقم، ج2، ص 268. [9]- ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، دار إحياء التراث، قطر، ج2، ص 239. [10]- سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، ط7، مجلد1، ص 231). [11]- انظر: عمر عبيد حسنه في تقديمه لكتاب: "إنفاق العفو في الإسلامي بين النظرية والتطبيق،م.س.، :ص:18-20. [12]- رواه الإمام مسلم في صحيحه، انظر الإمام النووي، رياض الصالحين، طبعة دار إحياء التراث، قطر، ط1، سنة 1986، توزيع دار الثقافة، الدوحة، حديث رقم 550. [13]- رواه الإمام مسلم في صحيحه، انظر المرجع السابق، حديث رقم 564. [14]- د. يوسف إبراهيم يوسف: "إنفاق العفو في الإسلام م.س. [15]- رواه مسلم في صحيحه، وفي "رياض الصالحين" للإمام النووي حديث رقم 119. [16]- متفق عليه، وفي "رياض الصالحين" للإمام النووي حديث رقم:248. [17]- رواه الترمذي وقال حديث حسن، وفي رياض الصالحين للنووي، برقم 406. [18]-جزء من حديث متفق عليه، راجع رياض الصالحين للنووي، حديث رقم 117. [19]- جزء من حديث متفق عليه، راجع رياض الصالحين للنووي، حديث رقم122. [20]- جزء من حديث متفق عليه، راجع رياض الصالحين للنووي، حديث رقم248. [21]- جزء من حديث متفق عليه، راجع رياض الصالحين للنووي، حديث رقم122. [22]- جزء من حديث متفق عليه، راجع رياض الصالحين للنووي، حديث رقم244. [23]- جزء من حديث متفق عليه، راجع رياض الصالحين للنووي، حديث رقم245. [24]- جزء من حديث متفق عليه، راجع رياض الصالحين للنووي، حديث رقم177. [25]-رواه مسلم ، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم 245. [26]-رواه النسائي بإسناد صحيح ، انظر رياض الصالحين حديث رقم 195. [27]- جزء من حديث متفق عليه، راجع رياض الصالحين للنووي، حديث رقم 248. [28]-عدة روايات لحديث رواه مسلم كلها عن أنس ، رضي الله عنه ، انظر رياض الصالحين ، حديث رقم: 135، رواه البخاري بلفظ:"ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً ، فباكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" صحيح البخاري ، باب ما جاء في الحرث والمزارعة. [29]-نفسه. [30]-نفسه. [31]-رواه البخاري في صحيحه م.س.حديث رقم 604. [32]- رواه البخاري في صحيحه،أنظر رياض الصالحين، م.س. حديث رقم 149. [33]-متفق عليه، انظر رياض الصالحين، حديث رقم، 150. [34]-جزء من حديث صحيح، متفق عليه، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم 117. [35]- جزء من حديث صحيح، متفق عليه، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم248. [36]- جزء من حديث صحيح، متفق عليه، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم119. [37]- جزء من حديث صحيح، متفق عليه، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم119. [38]- جزء من حديث صحيح، متفق عليه، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم244. [39]- جزء من حديث صحيح، متفق عليه، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم233. [40]- جزء من حديث صحيح، رواه البخاري، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم262. [41]- جزء من حديث صحيح، رواه أبو داود، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم272. [42]- جزء من حديث صحيح، رواه أبو داود والترمذي، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم1387. [43]- جزء من حديث صحيح، رواه مسلم، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم245. [44]- جزء من حديث صحيح، رواه أبو داود، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم1382. [45]- رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن، واللفظ لأبي داود، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم196. [46]- رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة، المرجع السابق، حديث رقم197. [47]- متفق عليه، وانظر رياض الصالحين، حديث رقم126. [48]- الشيخ رشيد رضا: تفسير المنار،م.س.، ج 2، ص:270. [49]- تفسير الجلالين، المكتب الإسلامي ، بيروت، ط 3، 1988م، ص:823. [50]-ابن العربي: أحكام القرآن،دار الفكر العربي، بيروت، د. تز، ص:1984-1985. [51]- انظر: المعجم الوجيز، م.س.، مادة "معن". [52]-متفق عليه، وفي رياض الصالحين، برقم:307. [53]-رواه البخاري ، وفي رياض الصالحين برقم138. [54]-رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وفي رياض الصالحين برقم:1304. [55]- د. يوسف إبراهيم يوسف: "إنفاق العفو في الإسلام،م. س.، ص:87. [56]-المرجع السابق،ص:87. [57]- يحي بن آدم ، الخراج، المطبعة السلفية، ط2 1384هـ ،ص:59. [58]- د. يوسف إبراهيم يوسف:م. س.ص:88-89. [59] - للمزيد راجع :ابن العربي،م.س.،ص 928. [60]-صحيح مسلم، وفي رياض الصالحين برقم:550. [61]-متفق عليه، وفي رياض الصالحين برقم 463. [62]-متفق عليه، في رياض الصالحين برقم،464. [63]- للمزيد من التفصيل راجع د. يوسف إبراهيم يوسف:م.س. ص: 103 وما بعدها. [64]- متفق عليه، وفي "رياض الصالحين" حديث رقم:117.